سيريل عريس: سينما الحب والحرب
فيلم «نجوم الأمل والألم» يتخبّط بين الدراما والكوميديا والفيديو كليب، مثقلاً بمصادفات مفتعلة وزخرفة بصرية تُربك هويته. يستحضر ذاكرة السينما اللبنانية أكثر مما يبتكر موقفاً خاصاً.


فيلم «نجوم الأمل والألم» يتخبّط بين الدراما والكوميديا والفيديو كليب، مثقلاً بمصادفات مفتعلة وزخرفة بصرية تُربك هويته. يستحضر ذاكرة السينما اللبنانية أكثر مما يبتكر موقفاً خاصاً. وحدها بعض الأداءات المقتصدة تنقذ لحظات إنسانية، فيما تضيع النيات الكبيرة بلا رؤية متماسكة. وتتحول الموسيقى إلى قائدٍ للمشهد على حساب السرد والعاطفة السينمائية
يعاني فيلم «نجوم الأمل والألم» للمخرج اللبناني سيريل عريس من إشكالية بنيوية تتعلق بهويته السينمائية وموقفه من موضوعه. منذ استهلاليّته، يبدو العمل كأنه يسعى إلى قول كل شيء دفعة واحدة: الحرب، الطفولة المكسورة، الحب، العائلة، والانكسار الوطني. غير أن هذا الطموح لم يتحول إلى رؤية متماسكة، بل استحال تراكماً مشهدياً أفقد الفيلم صدقيّته وبوصلته، ووضعه في منطقة رمادية ملتبسة بين الدراما، والفيديو كليب، والإعلان التّجاري.
مصادفات تُطيحُ بالبناء
تُبنى الحكاية على سلسلة مصادفات مفتعلة: ولادة البطلين (نينو/ حسن عقيل وياسمينا/ مونيا عقل) في اليوم نفسه بفارق دقيقة، ولقاء طفولي قدري، ومآسٍ عائلية تُكدَّس على عجل لتبرير الحالات النفسية. هذه العناصر، وبدل أن تنمو تدريجياً، تُطرح كمعطيات جاهزة، وكأن الفيلم يفتقر للثقة في قدرته على تطوير الدراما داخلياً، فيستعيض عنها بالقفزات السّردية. أما «الفلاشباكات»، فبدت أدوات تقريرية تُلقّن المشاهد مشاعره، عوضاً عن أن تكون ذاكرة حية تتقاطع مع الحاضر، ما حوّل الماضي إلى عبء يُثقل الإيقاع.
الهوية المرتبكة: بين «الاسكتش» والإعلان
يشكّل مشهد الدخول إلى مطعم «شي نينو» عتبة الفيلم الرئيسة، ولكنه جاء بصيغة إعلان تجاري فج: إيقاع لاهث، مونتاج خاطف، وشخصيات تظهر لتلقي جملة وحيدة وتمضي. هذا الخيار الأسلوبي، حتى لو كان غرضه التهكم، عمّق التباس الهوية. فالكوميديا هنا لم تنبع من الموقف، بل فُرِضت عبر مبالغات قسرية. كشاعر كاريكاتوري وشيف متصلب صُمم لإنتاج نكتة جاهزة، ما جعل المشهد أقرب إلى «سكيتش» تلفزيوني منه إلى جزء عضوي في فيلم روائي.
ومع تصاعد الأحداث، ينزلق الفيلم نحو جماليات الفيديو كليب، حيث تطغى الموسيقى لتصبح الصورة مجرد خلفية لها. مشاهد الحب اختُزلت في لقطات سريعة ومقطّعة تُشبه الترجمة البصرية للأغاني، ما أفقد العلاقات الإنسانية صدقيتها. هذا الإفراط في الإيقاع السريع والتجميل البصري خلق تناقضاً جوهرياً. فالفيلم يطمح لأن يكون كوميديا رومانسية شعبية، لكن لغته البصرية المثقلة بالزخرفة ألغت البراءة والتركيز المطلوبين في هذا النوع.
ذاكرة سينمائية مُعاد تدويرها
يتكشّف تدريجياً أنّ الفيلم يتحرّك داخل ذاكرة السينما اللبنانية أكثر ممّا ينبثق من واقعه الخاص. في مسار الطفولة، تلوح أصداء فيلم «زوزو» للمخرج اللبناني السويدي جوزيف فارس: الطفل بوصفه مركز التجربة، الفقدان، والحزن المكتوم، والاحتماء بالبراءة كملاذ مؤقّت من العنف.
ومع انتقال نينو إلى المراهقة، يغدو الاستحضار أكثر مباشرة لفيلم «بيروت الغربية» West Beirut للمخرج زياد دويري، ولا سيّما في تقاطع الشخصية مع طارق التي يؤديها الممثل رامي الدويري: السخرية كقناع، العلاقة العفوية مع المدينة، والمزاح كآلية دفاع في وجه الحرب والمآسي. يتجلّى هذا التأثير بوضوح في مشهد محاولة نينو فتح السير واشتباكه مع عناصر أمن أحد الزعماء، قبل أن تتوازى المسارات الدرامية في نضوج الوعي: إدراك ثقل الحرب وكيفية تسرّبها الصامت إلى تفاصيل الحياة اليومية.
تلوح أصداء فيلم «زوزو» للمخرج اللبناني السويدي جوزيف فارس
المشكلة ليست في التأثّر، بل في غياب الموقف. الفيلم لا يحاور هذه الأعمال، ولا يعيد قراءتها، بل يستعير شحنتها العاطفية ويعيد استخدامها، وكأنه يبني نفسه على حنين المشاهد إلى أفلام نجحت سابقاً، من دون أن يضيف مقاربة جديدة.
يضاف إلى ذلك أثر سينما نادين لبكي، ولا سيما في إدخال الموسيقى داخل الحبكة بأسلوب قريب من الميوزيكال، لكن من دون استكمال شروطه. كما يتسرّب في كثير من المقاطع إيقاع درامي تلفزيوني، سواء في تصعيد المشاعر أو في بناء المشاهد الحوارية، ما يضاعف ارتباك الهوية الأسلوبية للفيلم.
التمثيل: بلاغة الاقتصاد
رغم هذا التشتت، برزت قيم تمثيلية حقيقية، وعلى رأسها كميل سلامة وجوليا قصار. حضور هذين القديرين كشف الفجوة بين ما يقوله الممثل الخبير بالصمت والنظرة، وبين ما يحاول الفيلم قوله بالتكديس والإفراط. مشاهد الجد والمرض قالت بإيجاز ما عجز عنه الفيلم في ساعته الطويلة. وهنا تبرز المفارقة: العمل الذي حاول قول كل شيء انتهى لقول القليل، بينما الممثل المقتصد قال الكثير.
أما البطلان، فقدّما أداءً مقنعاً، رغم أن إدارة الإخراج دفعتهما أحياناً نحو مبالغات غير ضرورية. ما يؤكّد أنّ المشكلة ليست في القدرة، بل في التوجيه.
في المحصّلة، إن فيلم «نجوم الأمل والألم» ذو نيات واضحة، لكنه عجز عن تحويلها إلى رؤية سينمائية متماسكة، لأنّه فيلم يتذكّر أكثر مما يبتكر، ويستعير أكثر مما يقرّر، ويدغدغ العاطفة الجاهزة، فاقداً فرصته في أن يكون إضافةً حقيقيّة إلى سينما الحب والحرب.
«نجوم الأمل والألم» في سينما متروبوليس (مار مخايل)
